السيد حيدر الآملي
235
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
رَضِيَ اللَّه ُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ [ سورة المائدة : 119 ] . هو رضوان خازن الجنان واللَّه أعلم . وأمّا ملائكة النّار ، فقال بعض الفضلاء : هي تسعة عشر نوعا من الزبانية لا يَعْصُونَ اللَّه َ ما أَمَرَهُمْ [ سورة التحريم : 6 ] ، وهم الخمسة الَّذين ذكرنا أنّهم يوردون عليه الأخبار من خارج ، ورئيسهم والخازنان والحاجب والملك المتصرّف بين يديه بإذن ربّه ، وملكا الغضب والشّهوة ، والسبعة الموكّلون بأمر الغذاء ، وذلك أنّه إذا كان يوم الطامّة الكبرى وكان الإنسان ممّن طغى وآثر الحياة الدّنيا حتّى كانت الجحيم هي المأوى كانت أولئك التسعة عشر من الزبانية هم الناقلين له إلى الهاوية بسبب ما استكثر من المشتهيات ، واقترف من السيّئات وأعرض عن قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَه ُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاه ُ الْجَزاءَ الأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ سورة النجم : 39 - 41 ] . واعلم وفّقك اللَّه أنّ هؤلاء الَّذين ذكر هذا القائل ، أنّهم ملائكة النّار ربّما كانوا أيضا مع إنسان آخر من ملائكة الجنان ، وذلك إذا استخدمهم ذلك الإنسان في دار الدنيا على وفق أوامر اللَّه ، وأوفقهم على طاعة اللَّه دون أن يطلب منهم فوق ما خلقوا لأجله وأمروا به من طاعته ، ويعبر بهم إلى معصية اللَّه وارتكاب نواهيه ومحارمه وباللَّه التوفيق . البحث الرابع ، أنّه عليه السّلام ذكر من الملائكة أنواعا وأشار بالسجود والركوع والصفّ والتسبيح إلى تفاوت مراتبهم في العبادة والخضوع ( الخشوع ) ، وذلك أنّ اللَّه سبحانه قد خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم والقدرة لا يصل إليها من دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكمل وأتمّ كانت عبادته أعلى وطاعته أوفى ثمّ إنّ السجود والركوع والصفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الخلق ومتفاوتة في استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها لأنّ وضع الجبهة على الأرض وانحناء الظهر والوقوف في خطَّ واحد وحركة اللسان بالتسبيح أمور مبنيّة على وجود هذه الآلات الَّتي هي خاصّة ببعض الحيوانات فبالحريّ أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع